المقريزي
332
إمتاع الأسماع
وبين القوم ، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي ، فلم يكن إلا هزيمة القوم ، فما كنا نشك أنها الملائكة ( 1 ) . وقال الواقدي ( 2 ) : حدثني عبد الله بن علي عن سعيد بن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن جده قال : لما تراءينا نحن والقوم ، رأينا سوادا لم نر مثله قط كثرة ، وإنما ذلك السواد نعم ، فحملوا النساء عليه ، قال : فأقبل مثله الظلة السوداء من السماء حتى أظلت علينا وعليهم وسترت الأفق ، فنظرت فإذا وادي حنين يسيل بالنمل - نمل أسود مبثوث - لم أشك أنه نصر أيدنا الله به فهزمهم الله عز وجل . وحدثني ابن أبي سبرة ، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن يحيى ابن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن شيوخ من قومه من الأنصار قال : رأينا يومئذ كالبجد ( 3 ) الأسود هوت من السماء ركاما ( 4 ) ، فنظرنا فإذا نمل مبثوث ، فإن كنا لننفضه عن ثيابنا ، فكان نصر أيدنا الله به ( 5 ) . وكان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم ، وكان الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يوم حنين ، فكان يزيد بن عامر السوائي يحدث وكان حضر يومئذ فسئل عن الرعب فكان يأخذ الحصاة يرمي بها في الطست فيطن ، فقال : كنا نجد في أجوافنا مثل ( 6 ) هذا . وكان مالك بن أوس بن الحدثان يقول : حدثني عدة من قومي شهدوا ذلك اليوم يقولون : لقد رمى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بتلك الكف من الحصا ، فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينه ، وقد كنا نجد في صدورنا خفقانا كوقع الحصا في
--> ( 1 ) وقريب منه في ( سيرة ابن هشام ) : 5 / 117 - 118 . ( 2 ) ( المغازي ) : 3 / 905 . ( 3 ) البجد : جمع البجاد ، وهو كساء مخطط من أكسية الأعراب . ( 4 ) الركام : السحاب المتراكم ، وفي التنزيل : ( ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما ) [ 43 : النور ] . ( 5 ) ( مغازي الواقدي ) : 3 / 905 . ( 6 ) ( المرجع السابق ) : 3 / 905 - 906 . ( 7 ) في المرجع السابق .